داليا زين الدين تكتب : «جزيرة غمام» اسقاط عصري مغلف بحدوتة تراثية خيالية

 كتب: داليا زين الدين
 
داليا زين الدين تكتب : «جزيرة غمام» اسقاط عصري مغلف بحدوتة تراثية خيالية
داليا زين الدين

مسلسل "جزيرة غمام" مليئ بالإسقاطات المعاصرة من خلال طرح حدوتة من حواديت الثراث الشعبي الخيالي والذي يعود تاريخه لمائة سنة مضت.

 

وعادة هذه النوعية من الاعمال   الدرامية تقع فى مأزق المعادلة الصعبة متعددة الابعاد وهى الجمع بين الإمتاع على كافة تلك الأبعاد.

 

فلو كان هناك إسقاط أو رمز ما يختلف عن ظاهر أحداث القصة ، تكون دائمًا الصعوبة في الجمع بين إمتاع المشاهد على كلا البعدين . فمن يتابع القصة في سياقها الدرامي يستمتع ، ومن يفهم الإسقاط والرمز المطلوبين يستمتع كذلك . الصعوبة في أن لا يطغى بعد على آخر.

 

وهناك صعوبة آخرى تتعلق بمهارة الكاتب، وهي ألا يغرق في التصريح بما يريد فيكون الإسقاط واضحًا بشكل ينقص من متعة اكتشاف هذا الإسقاط أو الرمز ، وألا يغرق في التلميح بما يريد فيصعب على المشاهد فهم الإسقاط أو الرمز، ويحتاج ذلك إلى مهارة خاصة ودراية عالية بثقافة المجتمع الذي يعرض فيه العمل.

 

 وهنا أود أن أشيد بمهارة وبراعة مؤلف العمل عبد الرحيم كمال، والذى نجح فى تحقيق هذه المعادلة الدرامية الصعبة من خلال حدوتة تراثية شعبية يرجع تاريخها للعشرينات أى لمائة سنة مضت تتلخص فى الصراع الأزلى ما بين السلطة والمال والدين التى لا تنتهى على مر العصور ومن براعته الفكرية والأدبية فى كتابة الحدوتة أنه لم يحدد ولم يذكر بشكل صريح   المكان الذى تدور به الأحداث إلا أن اللهجة الصعيدية جعلت المشاهد يشعر بأن العمل ينتمى لدراما الصعيد والتى قد أرى من وجهة نظرى إنها تجربة  جديدة ومختلفة عن كل ما قدم عن دراما الصعيد.

 

حيث انتقال  الصراع فى العمل من الجبال والوديان الضيقة التى عادة ما كنا نراها فى دراما مجتمع الصعيد  إلى ساحل البحر.  

 

حيث تدور أحداث المسلسل  فى حقبة  العشرينات من القرن الماضى على ساحل البحر، ويطعمها المؤلف عبد الرحيم كمال بصبغة  ذات طابع تراثى شعبى.

 

وأيضًا حرص عبد الرحيم كمال على تنويه فى تتر العمل على التأكيد أن العمل لا يمت  للواقع بصلة  وأن اختيار اسم الجزيرة من نسج خياله وأنه قد استوحى  الاسم من "الغيم" وجمعها "غمام"؛ وذلك لنسج ملحمة تاريخية لا تنتمى لمجتمع أومكان معين.

 

حرص الؤلف على اختيار أسماء الشخصيات كحرصه على اختيار اسم العمل فكل شخصية لها اسم يعبر عن مغزى ومعنى للتأكيد على رسالة العمل، فالشيخ «مدين» الذي توفي تاركاً إرثه لثلاثة من مريديه، (جسده الفنان عبد العزيز مخيون)، يرمز لاسم مدينة كنعانية قديمة كانت تعيش بها قبائل من الغجر، وأفصحت أسماء تلاميذه عن خبايا ما سيتعرض له أهل الجزيرة، الأول «محارب» الذي يجسده فتحي عبد الوهاب، وهو يعبر عن الرؤية الشرعية الجهادية لأي دين، و«يسري» يقدمه محمد جمعة ويصف أن الدين يسر لا عسر، فيما يرمز «عرفات» الذي أداه أحمد أمين إلى كثرة المعرفة وميلها إلى النزعة الصوفية الحقيقية.

 

ثم يأتى البحر وأمواجه محملة  بالغجر 

"خلدون" و "العايقة" مستهدفين من خلال " اجنداتهم" بالغة العصر الحالى،، تدمير هذه الجزيرة  من خلال القضاء على معتقداتهم وعادتهم وتقاليدهم وتدينهم بافكار دخيلة على مجتمعهم باستخدام كل أساليب الدهاء والوسواس كالشياطين .

 

وهنا أيضا تم اختيار أسماءهم من قبل المؤلف بعناية شديدة ابداعية فى التعبير عن الشخصيات فالعايقة   هى رمز لتحرك الشهوات والغرائز وأحيانا قلة التدين من خلال السحر وفتح المندل.

 

أما "خلدون" هو رمز الخلود وحب  الدنيا  والتعلق بها وبملذاتها.

 

أما مخرج المسلسل حسين المنباوي، قد نجح في إدارة ممثليه والتعبير عن طبيعة الشخصيات وملابسهم، وحركتهم داخل ديكورات اعتمدت على زوايا الكاميرا الواسعة لإبراز تفاصيلها، ليعكس الطمع واحيانا ما يعبر عن الأمان، قبل أن تتحول الجزيرة إلى فوضى عارمة، أما عن التصوير فقد أخذ مدير التصوير إسلام عبد السميع، مجموعة لقطات بدت كأنها لوحات فنية مرسومة بريشة رسام و فنان محترف تحمل من الرؤية ما يعبر عن دلالات النص المكتوب، وكانت في بعض المشاهد بمثابة متعة بصرية  يستمتع فيها المتفرج وىلتقط الأنفاس، بعد متابعة وتركيز  طويل حتى لا تفوته تفصيلة في العمل.

 

 نجح صناع مسلسل "جزيرة غمام"  فى صنع قطعة درامية متاجنسة ومكتملة حازت على اعجاب المشاهدين بالاجماع والنقاد ايضا

حتى انى كنت للحظات كنت اشعر وكأننى أرى إبداع من نوعية إبداعات شكسبير من خلال الصراع بين الخير والشر بشكل رمزى فى حقبة زمنية قديمة  تتعدى المائة عام مع عدد من القضايا والموضوعات الهامة فى المجتع ليفاجئا الخيال بأننا نعيش الواقع بجميع تفاصيل عصرنا الحالي.

 

وفى النهاية أرى أن مسلسل "جزيرة غمام" هو ملحمة بصرية  وفكرية  تحمل بداخلها قدر كبير من  الشاعرية  وتحمل ايضا قراءات متعددة.

 

وعن مفهوم الغمام، «يمكن اعتباره (غمام الرؤية) أو (غمام الأفكار) التي تسود القرية، إذ يطرح العمل أفكاراً عديدة، محاولاً إسقاط رمزيتها وأفكارها على أي مكان».

 

ورغم أن المسلسل يشير إلى أن بعض وقائعه تدور خلال بدايات القرن الماضي، «فإن كل شيء في المسلسل يؤكد أنه يتحدث عن واقع ما زلنا نعيشه.