ميسون طارق تكتب: قد يكون الواقع أكثر إلهاما من الخيال

 كتب: ميسون طارق
 
ميسون طارق تكتب: قد يكون الواقع  أكثر إلهاما من الخيال
الدراما والسينما وثيقة الصله بالتاريخ منذ نشأتها ..فمنذ ولادتها تتغذى من التاريخ ووقائعه واحداثه..
 
وعلى الرغم من ذلك فان الدراما والسينما ليستا اعادة كتابة للتاريخ بل اعادة تدوين للماضى على نحو جمالى لا حيادى يركن الى نص تاريخى غير مكتمل على الاطلاق..
 
من المتعارف عليه ان دراما السيرة الذاتيه هى لقاء بين خطابين للحديث ..
 
احدهما الخطاب السينمائي حيث يكون مشهدى الطابع قابلا للعرض يستحق المشاهده يشد الانتباه (استعراضى النزعه)..
والاخر هو الخطاب التاريخي ونعنى به النص الكتابى المعني بزمن وقوع الحدث وهو (علمى النزعه)..
 
كل واحد من الخطابات لهما عذر وحجه وللاخر كما ان جميع العناصر مهمتها تمرير وايصال الرساله التاريخيه للحدث بطريقه اكثر امتاعا واقناعا..
 
وهو ما يدعونا للتساؤل حول ماهية علاقة الكاتب السينمائى بالمادة التاريخيه التى يعتمدها في تاليف السيناريو !! 
والى اى مدى يحق للسيناريست ان يتصرف بالتاريخ ويتدخل باحداثه!!
والى اى مدى تحكم الحقيقه التاريخيه السيناريست في معالجته للماده التاريخيه؟؟ 
 
هناك اتجاهين ينتهجهما الدارسين في هذا المجال ..
الاتجاه الاول والذى يرى تحجيم المساحه الابداعيه التى ينبغى للسيناريست ان يتحرك ضمنها عند العمل على موضوعات تتضمن حقائق تاريخيه  ..
تقول الكاتبه مارجورى بولتون في كتاب تشريح المسرحيه"في ايامنا هذه يزداد واجب الكاتب اهميه عندما يختار  موضوعا من التاريخ على ان يعرضه عرضا دقيقا صادقا من الناحيه التاريخيه" 
كما يذهب جورج لوكاش الى عدم السماح للمؤلف الدرامى بتغيير الاحداث التاريخيه اذ يقول في الروايه التاريخيه"ليس للكاتب اى مبرر ليفعل هذا ذلك انه اذا كان يرغب حقا في رسم شخوصه كافراد احياء فهو اذن سيجد اهم ادلته ومساعداته في الحقائق التاريخيه وكلما تغلغل الى مسافه اعمق في التاريخ ازدات هذه الادله والمساعدات"
 
بينما ارتأى الاتجاه الثانى اطلاق يد الكاتب في التصرف بالماده التاريخيه دون ان يضلل الكاتب مشاهديه تاريخيا وقد ايد ذلك الراى محسن اطميش في كتاب الشاعر العربى مسرحيا ان على الكاتب الدرامى الا يقع فريسه لما رواه المؤرخون " يتجاوز ما رواه المؤرخون في بعض المواقف ولكنه لا يخرج عن الحدود العامه" وهو هنا يترك تحديد الحدود مفتوحا مبهما !!
 
عند القراءه في سينما السيره الذاتية نجد معياريين اساسين يعتمد عليهما العمل الفنى الا وهما :الحدث التاريخي-الحقائق التاريخيه 
فالحدث التاريخي هو الوقائع التاريخيه (قد تكون اساسيه او هامشيه)ذات توقيت مؤكد في الماضى وهى ثابته لا يمكن التلاعب فيها او تغيرها 
بينما الحقائق التاريخيه فهى ما يستدل بها على وقوع الحدث وهى ما قال عنها الفيلسوف النمساوى كارل بوبر "لا يوجد شئ اسمه الحقيقه التاريخيه بل هناك قراءات واوجه بشريه لها " ولهذا كان للسيناريست قدر اكبر من الحريه في التعامل مع الحقائق التاريخيه وان يعمل فيها ويعيد صنعها بما يجعلها مقنعه ومؤثره باكبر قدر من الابتكار والابداع..
 
وعلى هذاومن خلال كلا الاتجاهين نجد  ان للسيناريست الحق في ان يحذف من التاريخ ويضيف وينقص ولكنه يحذف فقط بعض العناصر الوصفيه والسرديه والاحداث المتشعبه التى تخدم الحدث التاريخي الاساسي (الاحداث التى لا تسهم في تطور صراع الحدث التاريخى الاساسي) الا ان السيناريست لا يستطيع باى حال من الاحوال ان يتجاوز عن حقائق تاريخيه كبرى ومهمه ومعروفه فيستغنى عنها في مسار الحدث التاريخى ..
وقد يجد السيناريست قدرا كبيرا من الحريه في التصرف في بعض الاحداث الجزئيه وغير المعروفه وفي خلق بعض الشخوص المساعده للشخوص الرئيسيه التاريخيه على الا يتقاطع ذلك مع روح الشخصيه اصلا ومع روح الوقائع التاريخيه وعصرها.