الدكتور السيد فهيم يكتب: قراءة في رواية «تغريبة القافر» الفائزة بـ«البوكر»

 كتب:  العاصمة
 
الدكتور السيد فهيم يكتب: قراءة في رواية «تغريبة القافر» الفائزة بـ«البوكر»
السيد فهيم
 
 

لولا فوز رواية الشاعر العماني زهران القاسمي «تغريبة القافر» بالبوكر هذا العام 2023، وإلقاء الضوء عليها بهذه الجائزة المرموقة ما تكبدتُ عناء قراءتها حتى السطر الأخير؛ فهي رواية مفعمة بالسرد العادي، والتكرار الذي لا يضيف شيئا لتنامي الحدث.

البداية مشوقة؛ ففي الفصل الأول مدخل مثير ومحفز للقراءة وهو حادثة الغرق المبهمة، وانتشال جثة الغريقة والتعرف عليها. 


والفصل الثاني يأخذ القاريء للتعرف بالأبطال وتاريخهم وينبيء بتطور أو بناء متصاعد للشخصية الرئيسية وهي (سالم) ذلك الطفل الرضيع الذي نجا من الموت مع أمه الغريقة، بقرار جريء من أمه البديلة (كاذية) التي شقت بطن جثة أمه (مريم) الغريقة لتخرج الحي من الميت كما ورد في الرواية على لسان أحد حكماء القرية. 


مَلَكة إرهاص السمع لدى البطل (القافر) وهو متقفي أثر الماء في الوديان الجدباء. ملكة السمع المُرهَف والأشبه بالأسطوري، ذكرني ببطل رواية العطر لباتريك زوسكيند والذي كانت موهبته أو ملكته في حاسة الشم.

إلا أن مؤلف «القافر» لم يستطع أن يمسك بتلابيب تلك الموهبة ويوظفها في بناء أحداث درامية وعقدة حقيقية سواء نفسية أو اجتماعية لتخدم أحداث الرواية التي غلب عليها طابع الحكي وتكرار القصص الخرافية والخوض في تفاصيل شخوص ثانوية شتتت الذهن حتى في ذروة مناطق الرواية إثارة في فصل النهاية حينما تحدث الكاتب بإسهاب عن قياس الوقت بالظل ومقارنته المقحمة بأجساد بعض الشخوص غير المعنيين بالرواية، ليفصل القاريء عن مشاركة البطل صراعه من أجل النجاة من ذلك الفلج المظلم.

والذي لا ندري كم لبث فيه من وقت؟! وأين ذهب أهل البلدة الذين استعانوا به ثم تخلوا عنه ليتركوه وحيدا يواجه الموتَ دون محاولة واحدة لإنقاذه! أو حتى الإشارة لموقفهم بالخارج وردود أفعالهم غير نسج الأساطير الخرافية وحواديت الجن والعفاريت. 


النهاية المفتوحة لا أجد لها ذلك الوهج أو النشوة التي تُصاحِب النهايات المفتوحة خاصة أننا نعلم أن زوجته تنتظره مع خيوط غزلها التي استغرقت فصول العام بوصف الكاتب في شاعرية تحسب له، وتشي بخلفيته كشاعر.

لكن انهيار الخاتم (تلك الفتحة الصخرية الضيقة التي أعاقت خروجه)، واندفاع الماء لينزلق جسده تنبئنا بنهاية عادية جدا لشخص المفترض أنه منذ لحظة ولادته غير عادي، وتغريبته وتذبذب موقفه من استخدام موهبته في تقصي صوت الماء خذلني كقاريء توقع أحداثا أكثر تشويقا ولغة أكثر عمقا من هذا الحكي الأقل من عادي.

واستخدام اللغة الدارجة في الحوار استغرق وقتا كي أفك شفرة المفردات وطريقة الكتابة خاصة تحويل حرف الكاف إلى الشين، واستخدام مفردات كثيرة من حياة البطل المحلية أرهقت الذهن بفك طلاسمها فباتت تغريبة القافر رواية غريبة للقاريء الذي لا يعرف بيئتها ولغة شخوصها المحلية. 


لم يكن لزاما عليّ أن أهلل مع المهللين للرواية، بعد فوزها بجائزة بحجم «البوكر» خاصة أن بداية «البوكر» كانت بروائع مثل «واحة الغروب»، و«عزازيل»، و«ساق البامبو»، و«الطلياني»، وغيرها من روايات نالت من الاستحسان والنقد ما يليق بما بذل بها من جهد جعلها دليلا على رُقي الجائزة، وليس العكس.